ظلّت الغابات الجزائرية معقلاً وملاذاً للثوّار خلال حرب التحرير المجيدة (1954-1962).
وشهدت بطولات النساء والرجال الذين خاضوا واحدة من أعظم النضالات المسلحة في التاريخ المعاصر.
وكانت هذه الغابات الكثيفة ووعرة التضاريس، الملاذ الاستراتيجي للمجاهدين، والمكان الذي كانت تمر عبره الأسلحة والذخائر.
وتعرضت هذه الغابات للسطو لأكثر من قرن من قبل الاستعمار الفرنسي، فمن خلال قوانين تعسفية لتبرير مصادرة الغابات وثرواتها والحرائق المتعمدة والقصف بالنابالم لإرغام المجاهدين الجزائريين لترك معاقلهم الاستراتيجية، قامت الإدارة الفرنسية بعملية واسعة لتدمير هذه الفضاءات الغابية.
ووفقاً لتقديرات الدراسات المعتمدة، تمّ تدمير نصف الغابات الجزائرية ما بين سنتي 1830 و1962.
واللافت أنّه قبل الاستعمار، كانت الجزائر تمتلك حوالي خمسة ملايين هكتار من الغابات، لم يتبق منها غداة الاستقلال سوى مليونين ونصف هكتار، وذلك بالنظر للاستغلال المفرط للخشب، ولكن أيضاً بسبب الحرائق المهولة والقصف بـ (النابالم) في محاولات استعمارية فاشلة لقمع صوت الحرية.
وسارعت الإدارة الفرنسية، منذ عام 1838 في اطار سعيها للاستحواذ على المساحات الغابية وثرواتها، إلى إصدار سلسلة من التشريعات التقييدية المتعلقة بحقوق الاستخدام.
وفي هذا الإطار، تمّ إصدار قانون 1851 الذي يمنح للدولة (المستعمر الفرنسي) حق امتلاك الغابات، بينما سمح قانون 1860 بالاستيلاء على الممتلكات في إطار المنفعة العامة، في حين وضع قانون 1882 إجراءات الاستيلاء على الأراضي الجبلية.
وبين قانون وآخر، وضعت الادارة الفرنسية حيز التنفيذ العديد من المراسيم والقرارات لتقييد حقوق السكان. وقد أعطى المرسومان الصادران عامي 1867 و1870 لأصحاب الامتياز في مجال الغابات حق التنازل المجاني عن المقاطع المحترقة، خاصةً بالنسبة لشعبة الفلين.
وكانت هذه الثروة عرضة للنهب منذ السنوات الأولى للاحتلال.
وأحكمت الإدارة الاستعمارية بعد وضعها لهذه الترسانة القانونية سيطرتها على المساحات الغابية وثرواتها، ما حرم مئات الآلاف من العائلات الجزائرية من وسائل عيشها وأدى ذلك إلى تهجير قسري لآلاف الأشخاص، بحثاً عن مصادر رزق في أماكن أخرى.
على دروب الذاكرة الجماعية
استخدمت فرنسا الاستعمارية الحرائق كاستراتيجية للتقدم في أهدافها الاستعمارية وطريقة لقمع المقاومة الشعبية وجميع الانتفاضات، حيث عملت على حرق الغابات الجزائرية.
وتشير الإحصاءات إلى أنّه خلال 87 عاما (ما بين 1876 و1962)، تعرضت مساحة إجمالية غابية تقدّر بـ 3506942 هكتار للحرق، أي بمعدل 41258 هكتاراً سنوياً.
وذلك استناداً إلى باحثين زراعيين جزائريين اتكأوا على بيانات مجمعة للإدارة الاستعمارية.
وشهدت سنوات 1881، 1892، 1894، 1902، 1913 و1919 حرائق مدمّرة وصلت إلى مئة ألف هكتار سنوياً.
واستمرت الحرائق خلال حرب التحرير، حيث تعرضت مساحة غابية تقدر بـ 645414 هكتاراً للنيران.
وتمّ تسجيل في سنوات 1956، 1957 و1958 تدمير ما لا يقلّ عن 435646 هكتاراً في حرائق عديدة مع تسجيل ذروة في سنة 1956.
وبلغت المساحة المدمرة 204220 هكتاراً، وذلك بسبب القصف الجوي بالنابالم والحرائق المتعمدة.
وتظل الغابات، بعد سبعة عقود عن اندلاع الثورة المجيدة، أماكن تحمل في طياتها تاريخاً عظيماً ومواقع تحتضن جزءا من الذاكرة الجماعية.
ومن بين هذه المواقع، غابات جبال الونشريس التي احتضنت معركة بني بوستور (50 كيلومتراً جنوب الشلف) في السادس عشر جانفي 1958.
وعلى دروب الذاكرة الجماعية، يتقاطع ممر محاط بأشجار البلوط والزيتون، في جبال جرجرة بمعركة آيت يحيى موسى، التي وقعت على بعد 30 كيلومتراً جنوب تيزي وزو في السادس جانفي 1959، بالمكان المسمى بوغرفان، ويشهد على شجاعة المجاهدين وإيمانهم بعدالة كفاحهم من أجل تحرير الجزائر من نير الاستعمار الفرنسي.
وتستحضر الذاكرة عند منعطف ممر لأشجار الأرز، معركة باب البكوش، التي وقعت بين الثامن والعشرين والحادي والثلاثين ماي 1958 في بلدية لرجام بولاية تيسمسيلت، مكرّسة تموقع هذه الغابات كمعاقل للمقاومة وقلاع النضال.
وتعود التضاريس الوعرة في الأوراس المؤدية الى قلب غابة منطقة كيمل بباتنة، بالذاكرة الجماعية الى معركة "تبابوشت" التي وقعت في ديسمبر 1954 لتعكس عزم الرجال والتزامهم بالكفاح الى آخر نفس من أجل قضيتهم النبيلة.
وغير بعيد عن الأوراس، بمنطقة النمامشة، يرتفع الصنوبر الحلبي بشموخ بين الشجيرات المقاومة لقساوة المناخ.
ويذكّر المكان بمعركة الجرف الكبرى، التي وقعت بين الثاني والعشرين والتاسع والعشرين سبتمبر 1955 قرب ولاية تبسة، بالمجاهدين البواسل الذين قادوا المعركة وحققوا النصر وأربكوا خطط فرنسا الاستعمارية.