بن خروف : التباين الأوروبي ـ الأمريكي بشأن الحرب على إيران مرتبط بتداعيات الأزمة الأوكرانية وتغير موازين القوى الدولية.

بن خروف
08/03/2026 - 11:48

أكد الدكتور محمد بن خروف، الباحث والمحلل السياسي الجزائري المقيم بباريس، أن التباين الملحوظ في مواقف بعض دول الاتحاد الأوروبي تجاه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني بخصوص الحرب الراهنة على إيران، يعود أساسًا إلى التحولات التي طرأت على النظرة الأوروبية للعلاقات الدولية خلال العامين الماضيين، خاصة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

وأوضح بن خروف، في تصريحات أدلى بها هذا الأحد عبر الهاتف لبرنامج "ضيف الدولية" على إذاعة الجزائر الدولية، أن الحرب في أوكرانيا دفعت المجتمعات الأوروبية ومراكز الدراسات المتخصصة إلى إعادة تقييم طبيعة العلاقة مع واشنطن، حيث أدرك الأوروبيون – على حد تعبيره – حجم التبعية الكبيرة للولايات المتحدة وافتقادهم لقدر كافٍ من السيادة في اتخاذ قرارات مستقلة عن الحليف التقليدي.

وأشار المتحدث إلى أن التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا في إطار حلف شمال الأطلسي "الناتو"، الذي تشكل أساسًا لمواجهة ما يعرف اليوم بالقطب الشرقي بقيادة روسيا والصين، شهد خلال السنتين الأخيرتين بوادر انقسام داخلي، حيث برزت أصوات أوروبية تنتقد السياسات الأمريكية، خصوصًا في ما يتعلق بإدارة الحرب في أوكرانيا، معتبرة أن واشنطن استفادت من الصراع على حساب مصالح القارة الأوروبية.

وأضاف بن خروف أن الاتحاد الأوروبي، من خلال مؤسساته السياسية، بدأ يرى أن الحل للأزمة الأوكرانية يمر عبر فتح قنوات تفاوض مع روسيا، التي تظل جزءًا من الجغرافيا الأوروبية وشريكًا لا يمكن تجاهله، وهو ما ساهم في تعميق الخلاف بين أوروبا والولايات المتحدة خلال المرحلة الراهنة.

وفي سياق متصل، اعتبر المحلل السياسي أن موقف بريطانيا – الحليف التاريخي الأقرب لواشنطن خلال العقود الأخيرة داخل الاتحاد الأوروبي – بعدم فتح قواعدها العسكرية أمام القوات الأمريكية لتنفيذ هجمات على إيران، يمثل تطورًا لافتًا. كما سارت كل من إسبانيا والبرتغال في الاتجاه ذاته، بعدما أدركت هذه الدول أن استمرار التبعية الكاملة للولايات المتحدة قد يضعف الاتحاد الأوروبي ويقوض استقلالية قراراته.

وتابع بن خروف أن العديد من المراقبين السياسيين في أوروبا باتوا يتساءلون اليوم عن المستفيد الحقيقي من الحرب في أوكرانيا، خاصة بعد أن سارعت الولايات المتحدة إلى فتح مفاوضات مع روسيا بشأن أوكرانيا دون تشاور مسبق مع حلفائها الأوروبيين، إلى جانب حصولها على موارد أوكرانية بأسعار تفضيلية، وهو ما أثار استياء عدة دول أوروبية.

كما لفت إلى أن الاتحاد الأوروبي بدأ يدرك أنه أصبح جزءًا من "لعبة سياسية معقدة" تديرها واشنطن، خاصة في ظل السياسات التي ينتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، والتي يرى أنها ساهمت في تصعيد الصراعات في الشرق الأوسط، وعلى رأسها الحرب في قطاع غزة، التي تقوم – بحسب تعبيره – على منطق القوة وتخالف مبادئ الشرعية الدولية والقانون الدولي.

تحول في الخطاب الأوروبي في لحظة حاسمة

وأوضح ضيف الإذاعة أن الضعف الذي ظهر على الاتحاد الأوروبي خلال الحرب على قطاع غزة دفع بعض الدول الأوروبية إلى محاولة تجنب تحمل تبعات تلك السياسات، وهو ما يفسر مواقف بعض الحكومات الرافضة للمشاركة في أي عمل عسكري ضد إيران.

واعتبر أن تصريحات رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، التي شدد فيها على رفض بلاده المشاركة في أي حرب خارج مظلة الأمم المتحدة والقانون الدولي، تعكس تحولًا واضحًا في الخطاب السياسي الأوروبي.

وأشار بن خروف إلى أن هذه المواقف تأتي في وقت يشهد فيه النظام الدولي حالة من الاضطراب واختلال التوازنات، حيث تتصارع رؤيتان أساسيتان: الأولى تدعو إلى احترام الشرعية الدولية والقانون الدولي، بينما تعتمد الثانية على منطق القوة وفرض الأمر الواقع لتحقيق الأهداف الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بقيادة الكيان الصهيوني وبدعم وغطاء من الإدارة الأمريكية.

وشدد المحلل السياسي في ختام حديثه على أن التحولات الجارية في النظام الدولي، إلى جانب صعود تحالفات جديدة تقودها قوى كبرى مثل روسيا والصين، قد تعيد تشكيل موازين القوى العالمية خلال السنوات المقبلة، في ظل تزايد الدعوات داخل أوروبا لمراجعة طبيعة العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

المصدر
ملتيميديا الإذاعة الجزائرية