"إيديولوجيات الاستعلاء والمسرح" تحت المجهر

5297
03/01/2026 - 20:05

نظّم المسرح الوطني الجزائري، الجمعة، يوماً دراسياً حول ثيمة "إيديولوجيات الاستعلاء والمسرح".

أتى ذلك في موعد احتضنه نادي امحمد بن قطاف، وقام الدراماتورج والمخرج زياني شريف عياد بإدارته وتنشيطه.  

وتطرق أ. د سليم حيولة إلى الخلفيات الفكرية والفلسفية التي أسهمت في تبلور مفهوم أوروبا وهويّتها الثّقافية.

وهذا انطلاقاً من المفاهيم التي تأسّست عبر مكوّناتٍ غدت بنية تاريخية قائمة على سيادة الرجل الأبيض وهيمنته،

وبحسب الأستاذ في جامعة المدية، كانت تلك المفاهيم سبباً في ظهور الاستعمار وتمظهرت في مجمل الثّقافة الأوروبية.

وفي ورقته "المركزية الأوروبية، البنية التّاريخية، تكوين الوعي وبناء التّحيّزات"، لفت حيولة إلى أنّ الأدب كان تعبيراً عن هذه السيادة.

وبرز ذلك في نصوص نالت شهرة واسعة وأصبحت عبارة عن بنية فكرية.

وقال إنّه من "روبنسون كروزو" إلى "الغريب" أعادت أوروبا إنتاج نسقية ثقافية.

وضمن هذه النسقية، تمّ إبراز الرجل الأبيض كسيّد في مقابل استعباد الآخر المختلف.

من جانبه، تعاطى الروائي والكاتب المسرحي محمد بورحلة مع مفهوم الأشكال ما قبلية للمسرح: حقيقة علمية أم بناء تفوقي؟

وسجّل استخدام باحثين مصطلح "ما قبل المسرح" للإشارة إلى الأشكال الفنية السابقة للمسرح الحديث كما عُرف في الثقافة الغربية.

وقال بورحلة إنّ هناك من ينظر إلى هذا المصطلح، وإلى تعبيرات كخيال الظل، والحكواتي، على أنها حقيقة علمية.

من جهتهم، يرى آخرون في المصطلح بناءً تفوقياً وتمييزياً أفرزته المركزية الغربية.

إلى ذلك، طرح الباحث المسرحي براهيم نوّال، مسرح النضال الوطني خلال فترة الاستعمار.

وأحال نوّال إلى ما شهدته سنوات ثورة التحرير، من ممارسة عميقة لمسرح النضال الوطني.

وبرزت الممارسة منذ فجر مسرح القضية وتنامت عبر مسرح السجون، وبلغت ذروتها إبان مرحلة الكفاح النوفمبري.

وعلى النسق ذاته، قدّم الباحث والناقد المسرحي ناصر خلاّف مداخلةً حول مسرح النضال الوطني خلال فترة الاستعمار.

وأشار إلى تعدّد الأصوات الفنية في مجال الفنون التي نددت بالاستعلاء الغربية والمركزية الغربية المدرسة للهيمنة والاخضاع.

وضرب خلاّف مثلاً بمسرحيين أمثال جان جينيه، جان بول سارتر، أندري جيد، نورالدين عبه، كاتب ياسين وزياني شريف عياد.

وذهب إلى أنّ هؤلاء عبّروا بفنهم عن الرفض والمقاومة للهيمنة، في مجابهة فنية بالحجة والدليل والاقناع. 

وفي سياق موصول، قرأ الباحث المسرحي د. عبد الكريم غريبي، كسر الاستعلاء اللغوي والثقافي والسياسي في مهرجان مسرح الصحراء بأدرار.

وحلّل غريبي كيفية اسهام المهرجان في بعث بوادر تفكيك الاستعلاء الثقافي المسرحي عبر إعادة توطين الفعل المسرحي في الفضاء الصحراوي.

وهذا بوصفه ركحاً جماهيرياً مفتوحاً، كاسراً مركزية القاعة والنخبة الحضرية.

وبشعار «المسرح مقاومة»، اعتمد مهرجان أدرار على برمجة دولية تعددية وورش مجتمعية تُرسّخ الحوار الثقافي الأفقي دون هيمنة جمالية أو لغوية.

وحلّل غريبي كيفية تجسيد عروض مثل «أنا هاملت» الدانيماركية و«صرخة في الظلام» البرازيلية.

وركّز على تفاعلات تحويل الكلاسيكيات والذاكرة السياسية إلى أدوات مقاومة شعبية، معزّزة البعد الجماهيري للمسرح بوصفه ممارسة نقدية جامعة.

بدوره، عرض د. توفيق شابو ورقته الموسومة "إرادة القوة، الهيمنة وصناعة الشر: تفكيك ما بعد كولونيالي".

وذكر شابو أنّ المركزيات الاستعمارية أنتجت عبر تاريخها الطويل أطروحات أسّست للهيمنة والاخضاع في إطار مشروع موسع للسيطرة.

ولاحظ أنّ ملامحها ظهرت في السياسة والاقتصاد والثقافة والخطاب الاعلامي.

وتحولت هذه الأطروحات إلى منظومة تبرر الظلم والاضطهاد مغلّفة بخطاب عقلاني وأخلاقي.

وذهب شابو إلى أنّ "ارادة القوة وصناعة الشر انتقلت وفق هذا السياق إلى الفضاءات الرمزية عبر انتاج ثقافي ومعرفي".

وانتقلت كذلك عبر "التحكم في المعلومة والصورة الذي انعكس فيه الصراع الدرامي في الأفعال والقيم الإنسانية".

وهو ما جعل كشف هذه الأطروحات ودحضها سبيلاً شرعياً للمقاومة.

وكان ختام اليوم الدراسي بشهادة خاصة للروائي، القاص والدراماتورج أرزقي ملاّل عن "غزة البعيدة".

وجاء في شهادته: "أشاهد مباشرةً على الشاشات، العرض العالمي للرجال وهم يختفون في إبادة جماعية تبدو بلا نهاية.

وأضاف ملاّل في لوعة: "أسمع صمت العالم. لا رغبة لي في الكتابة. هذا الواقع يشلّني".

رابـــــــــح هوادف 

المصدر
ملتيميديا الإذاعة الجزائرية