ليس هناك ما هو أكثر إثارة للشفقة، وأكثر بعثًا على «الضحك المرّ» في آنٍ واحد، من رؤية دولة بكامل أجهزتها وهيبتها المصطنعة، وهي تقامر بكل أرصدتها التاريخية على عشبٍ أخضر، لتكتشف في النهاية أنها لم تكن تلعب «بالكرة»، بل كانت «الكرة» هي التي تلعب بها.
لقد قُدِّم تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 في المغرب كأنه «استعراض قوة» أو عرض كفاءة إدارية بلمسات سينمائية؛ دولة تضبط الإيقاع، تُخرج المشهد، وتتحكم في زوايا الكاميرا. لكن المشكلة في «السياسة المسرحية» أنها لا تتحمل ارتجال الممثلين، ولا سقوط الستارة قبل الأوان.
الأخطاء التنظيمية التي ظهرت لم تكن مجرد «هفوات تقنية»، بل كانت شقوقًا في جدار هيبة المخزن داخليًا. والهيبة، يا سادة، مثل الزجاج الرقيق، قيمتها في سلامتها لا في سماكتها، وأي خدشٍ فيها قد يعني نهاية الصلاحية.
مباراة النهائي: انكسرت المرآة… فارتدت الشظايا على صاحبها
لم تكن الهزيمة في النهائي خسارة منتخبٍ يطارد كرة جلدية، بل سقوط سرديةٍ كاملة جرى تضخيمها وتسويقها باعتبارها «إنجاز دولة». سردية ادّعت أن التفوق الرياضي انعكاس مباشر للتفوق السياسي، وأن البطولات تُحسم في الكواليس قبل أن تُلعب في الملاعب.
غير أنّ المرآة انكسرت في اللحظة الحاسمة، فكشفت وجهًا آخر للحكاية: مسارًا مثقلًا بالمبالغة، والفجور في التلاعب بنتائج المباريات منذ الأدوار الأولى، ومحاولاتٍ فجة للتأثير خارج المستطيل الأخضر حين تعذّر الحسم داخله.
واستُخدمت أساليب رخيصة لإرباك الخصوم، كما حدث مع المنتخب السنغالي، عبر مساعٍ مقصودة لإخراجه من تركيزه، بدايةً بإرسال البعثة إلى مقر إقامة بلا حراسة، وصولًا إلى سرقة منشفة الحارس السنغالي لإرباكه.
لكن حين فشلت كل تلك الأدوات، لم يبقَ أمام المخزن سوى العودة إلى الخطاب المألوف: تعليق الانكسار على شماعة «الحكم»، هروبًا من مواجهة حقيقة أن المرآة لم تعكس إلا وهمًا صُنع بالضغط والاحتيال، لا بالجدارة والاستحقاق.
توسيع دائرة الخصومة عربيًا وإفريقيًا
لم يدخل المخزن بطولة كأس أمم إفريقيا باعتبارها منافسة رياضية فحسب، بل دخلها محمّلًا بخطاب عدائي مسبق تجاه الجزائر، وخرج منها وقد وسّع دائرة الخصومة لتشمل تونس ومصر أيضًا.
لم يكن ذلك نتاج مباراة أو لقطة عابرة، بل نتيجة انزلاقٍ خطير من منطق التنافس الشريف إلى مستنقع الضغينة.
ولكن، لنتوقف عن ممارسة الاندهاش؛ فالأشياء لا تحدث بالصدفة. كيف ننتظر من نظامٍ استمرأ مشهد أحذية «لواء جولاني» الصهيوني وهي تتبختر فوق تراب مملكته التي تدّعي الشرف، في تدريبات مشبوهة، بينما دماء أطفال غزة لم تجفّ بعد عن فوهات بنادق تلك الكتيبة، أن يحفظ مودة جار أو يحترم حرمة عروبة؟
إن من فتح أبوابه لمن يقتل إخواننا في غزة ليشاركه «تكتيكات الميدان»، لن يجد غضاضة في قطع جسور الأخوة مع الجزائر وتونس ومصر من أجل «جلد منفوخ».
كما امتد هذا الاحتقان إلى العمق الإفريقي، حيث عبّرت جماهير الكاميرون ونيجيريا والسنغال عن غضبٍ واسع مما اعتبرته ظلمًا وتجاوزات متعمّدة في حق منتخباتها خلال مجريات البطولة.
شعورٌ جماعي بأن المنافسة جرى توجيهها خارج منطق اللعب النظيف، وأن بعض المباريات حُسمت بأدوات لا علاقة لها بالميدان.
وهكذا، لم يخرج المغرب من «الكان» مثقلاً بخسارة رياضية فقط، بل محاطًا بنقمة إفريقية متصاعدة، تُضعف صورته وتُراكم خصومات جديدة كان في غنى عنها.
درس العشب الأخضر
خطأ المخزن ليس في تنظيم بطولة، بل في «تحميل البطولة ما لا تحتمل».
الدول لا تُبنى بمنصات التتويج، ولا تنهار بضربة جزاء ضائعة.
تضعف الدول حين تخلط بين «الإخراج السينمائي» و«الحوكمة الحقيقية»، وحين تطلب من «الكرة» أن تنقذ «السياسة».
مقال : عمار شريتي
الإذاعة الجزائرية










