زيارة قداسة البابا للجزائر تعكس تقاطعات جيوسياسية وتعزز دبلوماسية الحوار و السلام

الأستاذ إدريس عطية
14/04/2026 - 11:40

أكد البروفيسور إدريس عطية، أستاذ العلاقات الدولية، أن الزيارة التاريخية الراهنة لقداسة البابا إلى الجزائر تمثل لحظة تقاطع جيوسياسي بارزة بين الجزائر ودولة الفاتيكان، عكستها الرسائل المتبادلة بين رئيس الجمهورية وقداسة البابا ليون الرابع عشر، وتمحورت إجمالًا حول ثلاثية أساسية تتمثل في أولوية السلام بدل منطق القوة، ورفض العنف بمختلف أشكاله، إضافة إلى التأكيد على مبدأ الحوار.

وأوضح عطية، في تصريحات هذا الثلاثاء ضمن برنامج "ضيف الصباح" للقناة الأولى للإذاعة الجزائرية، أن رئيس الجمهورية شدد خلال هذه الزيارة على الجذور التاريخية العميقة للجزائر وامتدادها الجيوحضاري، والرغبة الصادقة في الانفتاح على المستقبل، وهو ما ينسجم مع الرؤية الأخلاقية المشتركة بين الجزائر والفاتيكان فيما يتعلق بقضايا الأمن الدولي.

وأضاف المتحدث أن 56 سنة من العلاقات التاريخية بين الجزائر والفاتيكان تمهد لمرحلة جديدة تهدف إلى توطيد أواصر التعاون، خاصة في ظل تقارب الرؤى الأخلاقية، حيث تبرز الجزائر كقوة استقرار إقليمي، مقابل الدور الروحي والأخلاقي الذي تضطلع به دولة الفاتيكان على الساحة الدولية.

وفي السياق ذاته، اعتبر عطية أن اختيار البابا للجزائر كنقطة انطلاق لجولته المرتقبة في عدد من الدول الإفريقية يحمل دلالات عميقة، من بينها الاعتراف بمكانة الجزائر كمنصة حقيقية للسلام في حوض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء وشمال إفريقيا، إضافة إلى دورها الفاعل داخل القارة الإفريقية.

تتويج للدبلوماسية الناعمة وإعادة تشكيل التوازنات

وأشار الخبير إلى أن هذه الزيارة تمثل تتويجًا لنجاح الدبلوماسية الجزائرية الناعمة، التي لا تقتصر على إبراز الجزائر كقوة إقليمية عسكرية واقتصادية فحسب، بل أيضًا كوسيط موثوق إقليميًا ودوليًا، ونموذج للتعايش والحوار بين الأديان.

كما أبرز أن استقبال رأس الكنيسة الكاثوليكية في بلد مسلم كالجزائر يعكس رسالة قوية للعالم، مفادها تمسك الجزائر بإرثها الحضاري والجيوسياسي، وسعيها لتعزيز علاقاتها مع محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي، بما يؤهلها للعب دور محوري في رسم التوازنات الإقليمية والدولية قيد إعادة التشكيل.

ولفت عطية إلى أن الجزائر لم تكن يومًا طرفًا في الاصطفافات التقليدية أو التحالفات الضيقة، بل اعتمدت دائمًا على مبدأ التوازن والاعتدال في سياستها الخارجية، مع الدفاع المستمر عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإدانة الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة وكذا مختلف مناطق العالم.

التوازن مدخل لتعزيز التضامن الدولي

وفي تحليله، أكد عطية أن نهج التوازن في السياسة الخارجية يسهم في تعزيز التضامن والاحترام على الساحة الدولية، مستشهدًا بتصريحات البابا التي أشادت بالقيم الاجتماعية والتكافل في الجزائر، ودعوته إلى “عولمة التضامن الإنساني” وعدم إغفال البعد الأخلاقي في العلاقات الدولية.

وأضاف أن الجزائر والفاتيكان يشتركان في الإيمان بمنطق السلام كبديل لمواجهة الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان، ما يعزز أهمية الدعوة إلى احترام القانون الدولي، وهو ما تركز عليه الدبلوماسية الجزائرية في تحركاتها الثنائية ومتعددة الأطراف.

آفاق إيجابية للعلاقات الثنائية

وخلص عطية إلى التأكيد على أن هذه الزيارة ستفرز نتائج إيجابية مهمة للطرفين، إذ ستعزز صورة الجزائر كقبلة للحوار الديني والسياسي، وكقوة داعمة للاستقرار في محيطها العربي والإفريقي والمتوسطي، فضلًا عن دورها في اقتراح حلول للنزاعات في منطقة الساحل والصحراء.

كما ستسهم الزيارة، بحسبه، في تعزيز حضور الفاتيكان في شمال إفريقيا، وفتح آفاق جديدة أمام الجزائر لتطوير علاقاتها مع دول حوض المتوسط، في إطار شراكات متوازنة تقوم على تبادل المصالح وتحقيق الازدهار المشترك لشعوب المنطقة.

 

المصدر
ملتيميديا الإذاعة الجزائرية