اعتبر الأمين العام لرابطة علماء ودعاة وأئمة الساحل الدكتور بزاز لخميسي أن زيارة قداسة البابا للجزائر بأنها جاءت في توقيت جيو-سياسي بالغ الأهمية، وحظيت هذه الزيارة باهتمام واسع، لما حملته من رسائل ودلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى أبعاد إنسانية وحضارية عميقة.
وأشار الدكتور لخميسي ، لدى استضافته، هذا الأربعاء، ضمن برنامج " ضيف الصباح " للقناة الإذاعية الأولى ألى ان هذه الزيارة عكست المكانة التي باتت تحظى بها الجزائر على الساحة الدولية، باعتبارها جسراً للتلاقي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، ومنبراً فاعلاً للترويج للقيم الإنسانية المشتركة.
وأوضح المتحدث أن تصريحات الناطق باسم الفاتيكان عشية الزيارة، والتي أشار فيها إلى أن البابا سيخاطب العالم الإسلامي من الجزائر، تحمل دلالة قوية على الدور المحوري الذي أصبحت تلعبه البلاد، ليس فقط في محيطها الإقليمي، بل أيضاً في الفضاءين الأورو-متوسطي والإفريقي، حيث تمثل الجزائر قلب الشمال الإفريقي وركيزة للتوازن والاستقرار.
وأضاف أن اختيار الجزائر كمحطة أولى في جولة البابا الإفريقية لم يكن اعتباطياً، بل يعكس وعياً بثقلها التاريخي والسياسي، فضلاً عن استقرارها، وهو ما يجعلها أرضية مناسبة لتمهيد مشاريع تعزز الحوار ونشر قيم السلم والمصالحة، خاصة في قارة تضم نحو 20 بالمائة من أتباع الديانة الكاثوليكية.
وأشار الدكتور لخميسي إلى أن نجاح الجزائر في تقديم نموذج لمجتمع متماسك، محافظ على هويته الثقافية والروحية، ومنفتح في الآن ذاته على الآخر، يعود إلى تراكم رصيد ثري من القيم والإرث الحضاري العريق، الذي يمتد إلى جذور ضاربة في التاريخ، بعيداً عن أي تصور يختزل الدولة في نشأة حديثة.
المرجعية الدينية الوطنية الوسطية محل إعجاب واستلهام
كما أبرز ضيف الأولى أن هذا التنوع يتجلى في الرمزية التاريخية للحضارة الأمازيغية، إلى جانب التعدد الديني، في إطار مرجعية وطنية تتسم بالوسطية والاعتدال، قائمة على المذهب السني المالكي، بما يعزز ثقافة التعايش والانفتاح.
وتوقف المتحدث عند البعد الرمزي للزيارة، التي شكلت مناسبة لاستحضار شخصيات تاريخية ذات تأثير عالمي، على غرار القديس أوغسطين، الذي يمثل عمقاً حضارياً مشتركاً بين الضفتين، وكذلك الأمير عبد القادر، الذي تحوّل إلى رمز إنساني عالمي للتسامح، خاصة بعد موقفه الشهير سنة 1860 حين قام بحماية آلاف المسيحيين في بلاد الشام.
نمودج المصالحة والوئام في الجزائر قابل للتطبيق في منطقة الساحل الإفريقي
وفيما يتعلق بالأوضاع في منطقة الساحل الإفريقي، أشار الدكتور لخميسي إلى أن النزاعات التي تشهدها بعض دول المنطقة تعود في جزء منها إلى توظيف خاطئ لعوامل يفترض أن تكون مصدر غنى وتنوع، كالدين، الذي يتم استغلاله أحياناً لإثارة الانقسامات.
واعتبر أن زيارة البابا إلى الجزائر حملت رسالة واضحة مفادها أن الدين يمكن أن يكون عاملاً لنشر الاستقرار والسلام، لا العكس، مستشهداً بالنموذج الجزائري الذي يجمع بين أغلبية مسلمة واحترام فعلي لحرية المعتقد، بما يضمن ممارسة الشعائر الدينية في أجواء من الأمن والطمأنية لغير المسلمين.
وخلص المتحدث الى التأكيد على أن الجزائر تبعث من خلال هذه الزيارة رسالة قوية في التسامح الديني إلى القارة الإفريقية، مؤكداً قدرتها على الإسهام في ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش في منطقة الساحل، بعيداً عن خطاب الكراهية والصدام، نحو آفاق أرحب من التفاهم والتكامل.
الإذاعة الجزائرية









