تُثار الكثير من التوجسات في منطقة رقان الجنوبية إزاء النفايات النووية السامة التي تختزنها الصحراء هناك منذ 66 عاماً.
وهذا بسبب التجارب النووية التي نفذتها فرنسا وأضرّت بتوازنات الإنسان والبيئة والحيوان.
ويؤكد خبراء أنّ الاشعاعات النووية التي لا تزال تحصد ضحاياها، خلّفت جيلاً مشوّهًا وستستمر تهديداتها إلى ما يزيد عن 24 ألف سنة قادمة.
والزائر اليوم لمنطقتي "رقان" والبلديات التابعة لها، يقف على خطورة الإشعاعات الناجمة عن النفايات النووية.
ولقي 42 ألف جزائري حتفهم في سبعة عشر تجربة نووية فرنسية بدءاً من الـ 13 فيفري 1960.
وتسببت تلك التجارب أيضاً في إصابة آلاف الآخرين بإشعاعات، وأضرار كبيرة مست البيئة والسكان.
ويشير "عمار منصوري" الباحث في الهندسة النووية، إلى أنّ الجيش الفرنسي سما تلك التفجيرات "اليرابيع الزرقاء والحمراء والبيضاء والسوداء".
واستخدم الفرنسيون آلاف الجزائريين وعناصر من اللفيف الأجنبي كفئران تجارب، إضافة إلى حيوانات وحشرات وطيورا وبذور نباتات مختلفة.
وتمّ ربط الضحايا لساعات مبكرة قبل كل عملية تفجير، وأتت تلك التجارب على الأخضر واليابس.
وكانت التفجيرات أشدّ وطأة على سكان الجنوب، مخلّفة آلاف القتلى والمصابين، بينما تعيش آلاف العائلات في مناخ ملوث بالإشعاعات.
ولفت منصوري إلى أنّ قوة القصف النووي بلغت آنذاك 30 كيلوطنًا، ورغم انقضاء عشرات السنين على تلك التجارب النووية.
بيد أنّ قطر المنطقة المحيطة، لا يزال مُشّعاً بصفة حادّة ما دفع السلطات لحظر الدخول إليها.
واللافت أنّ المساحات التي استهدفها الإشعاع كانت شاسعة وأكبر من المتوقع ومتداخلة التأثيرات.
وهذا ما أكدته أبحاث بشأن مادة البلوتونيوم الأكثر تسميماً وتلويثاً.
وما يتصل بانتشار أمراض العيون وتراجع الولادات وعقم الأشجار جرّاء الاشعاعات التي ستبقى تنتقل إلى أجيال قادمة.
بدوره، يسجّل "كريستوف جانو" وهو أحد قدماء الجنود الفرنسيين أنّ التجارب كانت كوارث نووية بكل المقاييس.
وذكر جانو أنّ قوتها التفجيرية فاقت أربعة أضعاف ما خلفته قنبلتي هيروشيما وناغازاكي في الحرب العالمية الثانية.
وهذا بدليل أنّ مجموع قوة ثماني تجارب وصل 234 كيلوطناً من المتفجرات، خلال فترة هبوب الرياح الرملية بالصحراء.
وأقرّ جانو أنّ الفرنسيين لم يكتفوا بإجراء تجارب نووية على عيّنات من مختلف الحيوانات والأشجار.
وأجروا أيضاً هذه التجارب على 150 سجيناً بينهم حوامل وأطفال وشيوخ.
واستعمل الفرنسيون أجهزة خاصة للتمكن من تحديد مفعول التفجيرات وإشعاعاتها على الكائنات الحية والنباتات والمياه.
وذلك رغم المعارضة الدولية لهذا النوع من التجارب بالنظر إلى خطورتها وما ينجرّ عن سرعة انتشار السحاب النووي عبر العالم.
وامتدّ ذاك الصحاب إلى عدّة دول كليبيا واسبانيا والبرتغال.
ويؤكد "ناصر غميمة" و"حسام نويوة" (من أبناء منطقة رقان)، أنّ الجراثيم النووية شوّهت مناطق اشتهرت بهدوئها الكبير وجمالها الخلاّب.
ويشدّدان على أنّ التفجيرات عصفت بوفرة الغطاء النباتي والثروة الحيوانية والدورات الايكولوجية المتعاقبة.
وتحولت رقان إلى ميدان خطر متواصل وركام للخردوات والرمال المتحجرة ومستنقع تنبعث منه الإشعاعات النووية.
ما تقدّم، دفع إلى تسييج المنطقة ومنع دخولها لأنّ الخطر لا يزال قائما سواء على صحة الأشخاص والحيوانات والبيئة عموماً.
واستنادًا إلى بحث ميداني، فإنّ منفذي التجارب لم يبالوا بجملة من العوامل الواجب أخذها بعين الحسبان كخصوصيات المناخ ومتغيراته.
ولم يتم كذلك مراعاة فترة هبوب الرياح الرملية.
وهي محاذير أدت بحسب الخبيرين "برينو باريلو" و"غاستون موريزو"، إلى انعكاسات مدمّرة تشهد عليها قمة "تاوريرت" وضواحيها.
وسبق للوزير الفرنسي السابق للدفاع "هيرفي مورين"، الاعتراف بأنّ التجارب المثيرة "أدت إلى انعكاسات إشعاعية".
ويبرز مختصون في الاشعاع النووي عدم اقتصار الآثار المأساوية لتلك التجارب على البيئة والإنسان عند ما عايشته منطقتا رقان وتمنراست.
وستتواصل تهديداتها إلى حدود 24 ألف وأربعمائة سنة قادمة، وسط الافتقاد إلى دراسات وبائية من شأنها تحديد درجة العدوى.
رابــــــح هوادف
الإذاعة الجزائرية









