يحنّ الجزائريون المخضرمون إلى رمضان الزمن الجميل، ويؤكدون أنّ الشهر الفضيل فقد عديد مميزات الأيام الخوالي.
في حديثها عن الاختلافات التي طرأت على رمضان، قدّمت لنا الجدّة نوّارة فروقاً عديدة.
وسردت في شوق: "كنّا نشعر بمجيئ رمضان شهراً من قبل، ونسمّي ذلك (ريحة رمضان)، فكان التأهب بالطلاء والتحضير للوافد الكبير".
وتابعت: "القناعة كانت ميزة الكثير من الناس، وصور التآزر والتكافل كانت تملأ الجزائر القديمة، والصحون كانت في ذهاب وإياب".
"جهيدة " إحدى بنات القصبة، تتذّكر بحسرة كيف كان جيرانها عائلة واحدة، ومواظبة أبناء الرعيل الأول على تبادل الأطباق.
وكان من غير المعقول أن تشمّ رائحة طبق دون أن يتكرّم عليك جارك ويجعلك تتذوق.
وتضيف جهيدة بحنين جارف: "كان الطبق السائد هو شوربة المقطفة، حيث تصنع هذه الأخيرة في البيت بطريقة تقليدية".
وغاب تماماً ما يُعرف عند أهل القصبة بـ"النافخ" الذي كان يُستعمل في إعداد بعض الأطباق المؤثرة.
وفي شهر الصيام، تحوّل ربّات البيوت منازلهن إلى ورشات لسائر الأعمال والمهارات اليدوية بدءاً بغسل الأفرشة والستائر وتنظيف الجدران.
وكانت النساء تعيد ترتيب المنازل وتجديدها وتحضير حبوب وتوابل موائد رمضان.
وفي ليلة الشك تحديداً، يصعد الأطفال مع حلول المغرب إلى سطوح المنازل يترقبون الهلال.
من جهتهم، يتجمع الناس في قمم الجبال مع كبار القوم لاستقبال الوافد الكبير.
وإذا تمّت الرؤية، يتم إرسال عدد من الطلقات ابتهاجاً وإعلاناً بقدوم رمضان.
ويردّد الأطفال أهازيج تراثية بينها "ظهر الهلال، غدا رمضان".
لكن اليوم – وبلسان عديد المخضرمين والمخضرمات – تغيّرت الأمور تماماً، وسط انغلاق مثير.
ويرتضي كل واحد الانطواء على نفسه وإيصاد أبواب بيته، بعدما كان الإفطار الجماعي سنّةً حميدة.
ويكتفي جزائريو هذا الزمان بما تعرضه الفضائيات التي اعتبرها البعض سبباً في اندثار تلك الاجتماعات الحميمية.
عجايمي ووهج النوستالجيا
يحنّ الفنان البارز "محمد عجايمي" إلى رمضان زمان.
ويستعيد العم محمد بفخر، تلك الروح التضامنية التي كانت راسخة في الأحياء العتيقة.
ويُبدي "عجايمي" (81 عاماً) ألماً لكون حي القصبة قلب العاصمة، صار غريباً عليه بسبب التحولات التي طالت جوهر القلعة.
ويتذكر "عجايمي" الذي شارك في عشرات المسرحيات والمسلسلات والأفلام المحلية، أنّ جيله كانيعيش رمضان بكثير من الروح الجماعية.
وهو ما كان يضفي فرحة غامرة بقدوم "سيدنا رمضان"، ويفرز أسفاً إثر رحيل الضيف الكبير.
ويردف عجايمي: "كنّا نشعر بمجيئ رمضان بشهر من قبل من خلال استعدادات مكثفة لجزائريي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي".
ويسترجع بوجه باسم: "كافة سكان الحي كانوا يتعاونون في أشغال التنظيف والطلاء لاستقبال شهر رمضان المعظم".
ومن بين أجمل الذكريات التي مازالت راسخة هو ذاك التنافس الرائع على إفطار الصائمين.
ويشير إلى تلك السهرات الرمضانية التي كانت تقام في الشوارع حول أباريق الشاي والحلويات التقليدية وسط نوافير القصور العثمانية المترامية.
وراح محدثنا يتحسّر وهو يتذّكر كيف كان سكان القصبة يشكّلون عائلة واحدة كبيرة.
ويتوقف محمد عجايمي إلى مواظبة أبناء الرعيل الأول على تبادل الأطباق.
وكان من غير المعقول أن تشمّ رائحة طبق دون أن يتكرّم عليك جارك ويجعلك تتذوق.
وتابع عجايمي: "تبلغ الأعمال ذروتها في رمضان بالقصبة السفلى، والكل يخطط ويدبر لربح المال".
ويستحضر الفنان الجميل: "ربات البيوت كنّ يتفننّ في الطبخ المغاربي لإرضاء الأذواق".
بالتزامن، كانت الأزقة الضيّقة تتحول إلى مطابخ على الهواء الطلق تتصاعد منها رائحة القلي القوية".
ويستحضر "عجايمي" مشاهد مواطنه الفنان الراحل "بوعلام تيتيش" الذي كان يحيي ليلة 27 من شهر رمضان.
ويقول: "كان تيتيش يعزف على آلة الزرنة من "المسجد الكبير" بساحة الشهداء إلى غاية مقام الولي الصالح سيدي عبد الرحمان".
الآن يبدي العمّ "محمد" أسفاً للانقلاب الحاصل، ويؤكد بطل مسلسلات "المصير"، "اللاعب" و"البذرة" حتمية استعادة أفاريز الذاكرة الجماعية.
ويرافع محمد عجايمي لاستعادة وهج جزائر الزمن الجميل.
رابــــــح هوادف
الإذاعة الجزائرية









